صديق الحسيني القنوجي البخاري
357
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّها تَذْكِرَةٌ أي أن هذه الآيات أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها أو تعمل بها كل أمتك . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ أي فمن رغب فيها اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها ، ومن رغب عنها كما فعله من استغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره ، قيل الضميران في إِنَّها وفي ذَكَرَهُ للقرآن وتأنيث الأول لتأنيث خبره ، وقيل الأول للسورة أو للآيات السابقة والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر ، وقيل المعنى فمن شاء اللّه ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به والأول أولى . ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة وجلالتها فقال : فِي صُحُفٍ أي أنها تذكرة كائنة في صحف ، فالجار والمجرور صفة لتذكرة وما بينهما اعتراض ، والصحف جمع صحيفة . ومعنى مُكَرَّمَةٍ أنها مكرمة عند اللّه لما فيها من العلم والحكمة ، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء كما في قوله : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [ الأعلى : 18 ، 19 ] . [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 14 إلى 30 ] مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) مَرْفُوعَةٍ أي أنها رفيعة القدر عند اللّه ، وقيل مرفوعة في السماء السابعة ، قال الواحدي قال المفسرون مكرمة يعني في اللوح المحفوظ ، مرفوعة يعني في السماء السابعة ، قال ابن جرير مرفوعة القدر والذكر ، وقيل مرفوعة عن الشبه والتناقض . مُطَهَّرَةٍ أي منزهة لا يمسها إلا المطهرون . قال الحسن مطهرة من كل دنس . قال السدي مصانة عن الكفار لا ينالونها ، وقال المحلي منزهة عن مس الشياطين انتهى . وفيه أن الصحف بأيدي الملائكة في السماء ، والشياطين لا يصلون إلى السماء فلا يظهر مدح الصحف بتطهيرها من مسهم فليتأمل ، قاله سليمان الجمل . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ جمع سافر ككتبة وكاتب ، قال ابن عباس سفرة كتبة ، وقال هم النبطية القراء ، والمعنى أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ ، قال الفراء السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين اللّه ورسوله من السفارة وهي السعي بين القوم . قال الزجاج إنما قيل للكتاب سفر بكسر السين ، والكاتب سافر لأن معناه أنه